روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
36
مشرب الأرواح
نفس معنى تحركها إلى معدنها ولا تقف في غيره من المعادن . وجميع الصفات المحمودة التي تظهر عن الجوارح عن آثار ذلك المعنى الذي خبأه بقدرته الأزلية وقوته الصمدية السرمدية في النفوس الربانية إظهارا لفضله ونشرا لفيضه . وهي مرهونة بواسطة الجسم وتربيته ، فإذا رفع الحق عنها الوسائط لا تبقى لها الأعيان معدنها ، وهذا المعنى لهذه النفوس العارفة خاصة دون غيرها لأنها مخصوصة باصطفائية الأزلية والمحبة الصفائية بلا علة العبودية ، قال تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] ، وهذه المحبة وقعت لها بعد وجدانها مشاهدة العزة وسماعها خطاب الوصلة ، حين حقق الحق مشاهدته لها ثم عرفها نفسه في تجليه بلا حجاب ، وخطاب بلا واسطة حين قال : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : 172 ] ، فإذا انقطعت هذه الأطيار من تلك المعادن وبقيت في سلوك العبوديّة قرينة لطبائع البشرية فينبغي لأربابها أن يذكرها بالآيات والرشد معادن الألوهية حتى لا تميلها بشرط القهقرى إلى غير معادن العلوية ، قال تعالى موعظة : وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ [ ص : 43 ] وقال عليه السلام : « أكثروا ذكر هاذم اللذات » ، قال العارف : موعظة النفس تورث حسن الآداب في المعاملات وشوق الروح إلى المشاهدات . الفصل الثامن عشر : في المرابطة وهي حبس القلب عن التقلب مع خطرات الوساوسة في مقام طلب الكشف وصفاء الذكر بنعت خلوصه عن ذكر ما دون اللّه . وهو منزل يعسر النفس والشيطان وجنودهما يلزم عليه هنالك دفع عساكر الخيال عن حومة المكاشفات ، قال تعالى : وَرابِطُوا [ آل عمران : 200 ] ، وقال عليه السلام في وصف الطهارة : « فذلكم الرباط » « 1 » وفائدة المرابطات ارتفاع حجر العوارض عن بصر الروح لتجد مصدرها من عالم الملكوت ، وتبصر عجائب غيب الملكوت فترجع إليه بنعت الشوق والعشق والمحبة ، وتصير مشاهدة جمال الابتداء الذي لم يكن بينها وبينه واسطة ، لأنها عرفت الحق حقيقة بلا حجاب ولا رسوم ، ولأن اللّه تعالى تعرف نفسه للأرواح القدسية الأولية في تجليه من غير واسطة الالتباس ، بل كان صرفا كما كان في أزل الآزال ،
--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء ، حديث رقم ( 251 ) [ 1 / 219 ] وابن حبان في صحيحه ، باب فضل الوضوء ، حديث رقم ( 1038 ) [ 3 / 313 ] ورواه غيرهما .